الصفحة الرئيسية  رياضة

رياضة الترجي يفشل قاريا للموسم السادس : أزمة تخطيط أم غرور قاتل؟

نشر في  26 سبتمبر 2017  (20:22)

 مرت خمس سنوات على الخسارة المدوية التي مني بها الترجي الرياضي ضد الأهلي المصري في نهائي دوري أبطال افريقيا بملعب رادس..ومنذ ذلك الزمن الى تاريخ السبت الفارط تغيرت عدة معطيات بين الفريقين بين رحيل عدة لاعبين وأطر فنية واعتزال أخرين، لتتكرر المواجهة بين مجموعتي فوزي البنزرتي وحسام البدري، ومع ذلك لدغ الترجي من نفس الجحر وحصلت الكبوة مجددا مما جعل وقعها أكثر ايلاما في ليلة سوداء عاشها أنصار "المكشخة" حتى وان حاول البعض التقليل من حجم الخسارة التي تبقى دون شك لحظة فارقة تدعو الى اعادة البناء والبحث بمنهج عقلاني للبحث عن سبب تكرر الخسائر القارية لست سنوات متتالية عجز خلالها الترجي عن اعتلاء عرش القارة السمراء مجددا منذ دربي الوداد وهدف أفول الذي طار بالترجي الى اليابان قبل عودته الى كوكب مغاير يستوجب الكثير من التواضع وعدم الاغترار الذي عصف بأحلام الترجي رغم أن جماهيره الوفية جابت القارة طولا وعرضا بحثا عن اعادة الانجاز..

الأن، قضي الأمر وسيعود الفريق للرهان المحلي بعد عثرة يرى البعض أنها مفاجئة قياسا بمحصول نتيجة الذهاب وثراء الحلول وتنوعها للترجي قياسا بالمارد الأحمر الذي مر بشق الأنفس من دوري المجموعات وعاش صائفة قائضة للغاية بما أن جماهيره لم تستسغ أن تطول مدة اعادة البناء لجيل ما بعد الحضري وبركات وغالي ومتعب وبقية المحاربين من "الحرس القديم"، ولكن جيل اكرامي وسليمان والسعيد ومعلول والبقية ورث جينيا "روح الفانيلة الحمراء" كما يقول الأشقاء ليعاد نفس السيناريو الدرامي الذي يثبت أن الترجي لم يصلح هناته وما عرف عنه من أخطاء..وهذا لب القصيد لأن ما يعنينا ليس انتفاضة الأهلي بل تواصل الموجات السلبية لشيخ الأندية التونسية..
اختيارات حسب الأهواء والمزاج
الترجي ودون غلو فقد منذ عدة سنوات هويته الكروية وبات يبحث عن أسرع الحلول لاستنساخ تجارب نجاح الأخرين، فجاء دوسابر لمجرد قيادته قطن غاروا الكامروني الى النهائي القاري، كما سبقه كرول الى الحديقة ب بعد نجاحه في صفاقس، وفي كلتا الحالتين خرج الترجي بخفي حنين..ومع ذلك لم يستوعب أولي القرار الدرس، بل لاحظ الجميع سعيا محموما لصنع نسخة "مشوهة" من النادي الصفاقسي فجاء "الروج" والخنيسي وتلاه الفرجاني ساسي وأيضا محمد علي منصر قبل اعارته..ومع كل الاقرار بالقيمة الفنية للأسماء المشار اليها، فان مجرد التفكير في انتدابهم لنجاحات سابقة لا يجعل الأمر يستوي عند البناء للمستقبل، فالظروف والمعطيات تغيرت، كما أن انتداب هؤلاء قابلته احترازات فنية بخلافات "غير معلنة" وصدامات باتت تتكرر بينهم وبين الأطر الفنية المتعاقبة على الفريق..
علاوة على "الحلف الصفاقسي"، فان استقدام كوم وزعبية مثلا (في انتظار معاينة بن حتيرة واينرامو وماهر الصغير الذي تم اقتراحه قبل سنتين واعترض أحد الفنيين الموجودين حاليا على انتدابه قبل تمسكه به حاليا عقب اقتناعه بخصاله المميزة)، كل ذلك جاء بناء على نية لاضعاف الفرق المنافسة التي رغبت في خدماتهم، ولم يكن هنالك طلب ملح من الجانب الفني لاستقدامهم في وقت كان خلاله أبسط الملاحظين يستغيث لخلل رهيب في منظومة دفاعية أبت الا أن تتمسك بالثالوث بن شريفية والذوادي وشمام رغم ما أظهروه من ضعف فادح وتكرار للأخطاء القاتلة في السنوات الفارطة..وهنا نقول ان الجرد التاريخي يكشف أن جميع العناصر تغيرت في كل المراكز عدا هؤلاء وان كانت الأرقام تكشف بوضوح ضعفا كبيرا في الأداء من جانبهم..
في الترجي تم التعويل على الماطري والطالبي والمشاني (ولو أنه أصغر من تقمص زي الترجي) غير أن الذوادي ظل ثابتا رغم هفواته القاتلة، كما أن شمام يوصف ضمن القطع التي لا يمكن المساس بها مهما انخفض العطاء..دون نسيان بن شريفية الذي يشهد مردوده هبوطا حادا منذ أربع سنوات..ومع ذلك لم يتدخل جون جاك تيزيي لفعل أي شيء..حتى أن البعض بات يتحدث عن حظوة خاصة ينالها بن شريفية من مدربه المباشر..
التهليل والتضليل
لمجرد فوز الترجي بلقب البطولة العربية التي خاضها أغلب كبار القوم بفرقهم الاحتياطية، ارتفعت عديد الأصوات لتهلل وتضخم من حجم التتويج وحتى وصل الأمر الى التضليل بالقول ان الترجي سيفرض سلطانه محليا واقليميا وقاريا لسنوات طويلة..وها أن الافراط في المدح جاء بنتيجة عكسية سببها التراخي الذهني والامعان في الاستعراض..
الترجي دفع الفاتورة "كاش" وما على مسيريه الا أن يتعضوا ويصغوا الى النقد البناء لأن الامعان في الانبطاحية لدى البعض غطى على نقائص بلا عد تنظيميا وفنيا..
البنزرتي..وفيلق المساعدين
حين جاء فوزي البنزرتي في تجربته الجديدة قبل ثمانية أشهر، اعتبر البعض أنه الحل الأمثل مع وجود رصيد بشري محترم، والى جانب "الكوتش" كان الشعباني موجودا بعامل الأقدمية قبل الاستنجاد بتراوي..والتحق بهما عماد بن يونس دون نسيان عثمان النجار المكلف بالفيزيوناج..
هذه التخمة خلقت حالة من الفوضى والعبثية ازاء وجود فيلق من المساعدين وتداخل في المهام غالبا ما أثبتت التجارب في الكرة التونسية أنه أمر لا يصلح بمنظومة لا تعترف بمنطق ومفهوم "الستاف" في ظل انفراد فني أو اداري ( في أغلب الأحيان) بسلطة القرار..
الأن، بات رحيل البنزرتي أمرا شبه محسوم رغم تأجيل الاعلان الرسمي، والدليل هو غياب التمارين يوم الاثنين عدا قدوم الروج وساسي والماطري فقط للتدرب على انفراد، غير أنه من الاجحاف أن تمسح آثار الهزيمة كلها في قميص فوزي البنزرتي، فحتى ان أخطأ فانه سيبقى من أفضل الفنيين في تاريخ تونس (ان لم يكن أفضلهم)، ومن باب النفاق الرياضي مهاجمته بتلك الحدة عقب زمن وجيز من اغداقه بشهائد الشكر والثناء اثر لقبين متتاليين في ظرف شهرين..
الهزيمة تبقى جماعية وليست لقيطة وهي تتطلب من كل فرد الشجاعة لتحمل مسؤوليته حتى لا تقبر الأسباب سريعا وتتكرر الهفوات لاحقا..
حكمة الادارة على المحك
عادة ما فضل حمدي المدب الصمت سواء عند التتويجات أو الهزائم، وهو اختيار شخصي غالبا ما جنح اليه، لكن المنطق يفرض لزاما هذه المرة اصلاح جانب من اللخبطة السائدة، وهذا لا يكون الا بالاصغاء الى الغيورين على لوني الترجي ممن خبروا أسرار اللعبة وليس من الانتهازيين الذين اعتادوا الظهور مناسباتيا (مثل ليلة الأبطال في الحمامات) أو زمن التتويجات..فبناء مستقبل الترجي، وعلاوة على الضخ المالي فانه يستوجب أيضا التخطيط الفني والاداري..وهذا ما يعني وجود استراتيجية عمل واضحة تنطلق من الشبان وترفض المحاباة والمحاصصة وايلاء التكوين القاعدي ما يكفي من الأهمية صلب فريق لا يجد من أبنائه الشرعيين خلال المعارك الشرسة حاليا سوى غيلان الشعلالي تقريبا..وهو ما يدفع للتساؤل عن جدوى بقاء العربي الزواوي ومن معه طيلة هذه السنوات في ادارة الشبان..طبعا قبل بلوغ صنف الأكابر وما يحوم حول من لبس وأسئلة انكارية يطرحها البعض سرا..ولا يجدون الجرأة للافصاح بها علنا..
تاريخ الترجي يبقى على المحك ويفرض الكثير من الرصانة والحكمة للانتقال السريع نحو وضع الاصلاح والبناء..وهي مهمة رئيس الجمعية أولا وأخيرا قبل أي كان لأنه أكثر خلق الله ادراكا بما يدور حوله حتى وان كان المدب أعلن انسحابه عشية اليوم..في انتظار مآل تحركات الكواليس..


طارق العصادي